الشوكاني

473

فتح القدير

سورة يونس الآية ( 99 - 100 ) قوله ( ولقد بوأنا ) هذا من جملة ما عدده الله سبحانه من النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل ، ومعنى بوأنا : أسكنا ، يقال بوأت زيدا منزلا : أسكنته فيه ، والمبوأ اسم مكان أو مصدر ، وإضافته إلى الصدق على ما جرت عليه قاعدة العرب ، فإنهم كانوا إذا مدحوا شيئا أضافوه إلى الصدق ، والمراد به هنا المنزل المحمود المختار ، قيل هو أرض مصر . وقيل الأردن وفلسطين ، وقيل الشام ( ورزقناهم من الطيبات ) أي المستلذات من الرزق ( فما اختلفوا ) في أمر دينهم وتشعبوا فيه شعبا بعد ما كانوا على طريقة واحدة غير مختلفة ( حتى جاءهم العلم ) أي لم يقع منهم الاختلاف في الدين إلا بعد ما جاءهم العلم بقراءتهم التوراة وعلمهم بأحكامها ، وما اشتملت عليه من الأخبار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم - وقيل المعنى : أنهم لم يختلفوا حتى جاءهم العلم ، وهو القرآن النازل على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، فاختلفوا في نعته وصفته ، وآمن به من آمن منهم وكفر به من كفر . فيكون المراد بالمختلفين على القول الأول هم اليهود بعد أن أنزلت عليهم التوراة وعلموا بها ، وعلى القول الثاني هم اليهود المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ( إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) فيجازى المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته ، والمحق بعمله بالحق والمبطل بعمله بالباطل ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ) الشك في أصل اللغة : ضم الشئ بعضه إلى بعض ، ومنه شك الجوهر في العقد ، والشاك كأنه يضم إلى ما يتوهمه شيئا آخر خلافه فيتردد ويتحير ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والمراد غيره كما ورد في القرآن في غير موضع . قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد : سمعت الإمامين ثعلبا والمبرد يقولان : معنى ( فإن كنت في شك ) أي قل يا محمد للكافر فإن كنت في شك ( فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) يعني مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأمثاله ، وقد كان عبدة الأوثان يعترفون لليهود بالعلم ويقرون بأنهم أعلم منهم ، فأمر الله سبحانه نبيه أن يرشد الشاكين فيما أنزله الله إليه من القرآن أن يسألوا أهل الكتاب الذين قد أسلموا ، فإنهم سيخبرونهم بأنه كتاب الله حقا ، وأن هذا رسوله ، وأن التوراة شاهدة بذلك ناطقة به ، وفي هذا الوجه مع حسنه مخالفة للظاهر . وقال القتيبي : المراد بهذه الآية من كان من الكفار غير قاطع بتكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا بتصديقه ، بل كان في شك . وقيل المراد بالخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا غيره . والمعنى : لو كنت ممن يلحقه الشك فيما أخبرناك به فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشك ، وقيل الشك هو ضيق الصدر : أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر واسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك يخبروك بصبر من قبلك من الأنبياء على أذى قومهم . وقيل معنى الآية : الفرض والتقدير ، كأنه قال له : فإن وقع لك شك مثلا وخيل لك الشيطان خيالا منه تقديرا ، فاسأل الذين يقرءون الكتاب ، فإنهم سيخبرونك عن نبوتك وما نزل عليك ، ويعترفون بذلك لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم ، وقد زال فيمن أسلم منهم ما كان مقتضيا للكتم عندهم . قوله ( لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) في هذا بيان ما يقلع الشك من أصله ويذهب به بجملته ، وهو شهادة الله سبحانه بأن هذا الذي وقع